ابن بسام

690

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

محاضرهم بطيب ذكراك ، الفقيه أبي فلان أبقاه اللّه ، وأنّه هجر الوطن على خصبه ، ووصل منزل الغربة على جدبه ، متكرّرا إلينا ، ومدارسا علينا ، بأصغرين أكبرين : قلب أصمع ، ولسان مصقع ، فما مطلته بحمد اللّه الأيّام ، ولا سوفته الأعوام ، حتى لحق بالمرتبة التي تفصل بها القضيّة الشنعاء [ 1 ] ، وتسمع النّازلة الصمّاء ؛ وحتى أفضى إلى المنزلة التي تقتضي تعصيبه بالشّورى ، وإلحاقه بعداد أهل الفتيا ، تطبيقا للمفصل ، وتبيينا للمشكل ، وعند ذلك ما رأينا إنهاضه إليها ، وأن يتزيّا بزيّ أهلها عمّن سواه ، وحملناه على التزامه دون كلّ زي عداه ، على ما أنت الحريّ بحمله عليه كما حملناه . ولمّا كان مثلك في سروك ، وميلك إلى المجد وصغوك ، لا يعلّم كيف يبني المجد ويشيّده ، ولا كيف يمهّده وينجّده ، كما لا يعلم الفم التّبسّم ، ولا اللسان التّكلم ، كان واجبا أن يكتفي بيسير العبارة ، وقليل الإشارة ، ومهما زدته من كريم رعاية ، / وجميل حفاية ، فنحن شاكروك شكرا يهزّ عطفيك [ 2 ] ، طورا هزّ المهنّد ، وطورا هزّ القضيب الأملد . وله من أخرى يعزّي بعض الأعيان : قد علم - أطال اللّه بقاءه وأحسن عزاءه - أنّ سكّان هذه الدّار ، وإن تراخت بهم الأعمار ، ينتقلون منها تنقّل الأفياء ، كما يتلونون فيها تلوّن الحرباء ؛ فإنّ من وقع تحت الكون والفساد ، وانبعث من الأضداد في مركز الأضداد ، غير بديع [ 3 ] في طباعه أن ينحلّ جرمه ، إلى ما منه تألّف حجمه ، وأن تتخلّص شعلة نفسه من ذلك الصّلصال الذي سقطت لديه ، فاحتوى عليها وأوت إليه ، ثم ضرب لها أجل معدود ، ووقت محدود ، وهو النّهاية بعد المبدأ ، والتلاشي بعد المنشأ ، فتعود عند ذلك الطبيعة الترابيّة إلى أصلها [ 4 ] ، والشّعلة النّوريّة إلى شكلها ، فإن كان ما قدّمت خيرا حمدت الجيئة ، وإن كان شرّا رغبت - وأنّى لها - في الفيئة ، ثم لم تترك في حين سلوكها إلى الوقت المعلوم ، والأجل المحتوم ، سالمة من الضّرّاء ، آمنة من البرحاء ، بل قرن بها هنات مجحفات ، وحبّب إليها خطوب متلفات ، فلم تنفكّ من تغيير مجحف ، وتعثير متلف [ 5 ] . وإذا كان الوزير - أعزّه اللّه - عالما جملة هذا الخبر وتفصيله ، ودقيق هذا الغرض

--> [ 1 ] ب م : الخطبة ( اقرأ : الخطة ) الصنعاء ( اقرأ : الصلعاء ) . [ 2 ] ب م : عطفك . [ 3 ] ط : بعيد . [ 4 ] ط : أرضها . [ 5 ] ب م : يجحف . . . يتلف .